السيد أحمد الهاشمي

178

جواهر البلاغة

الصور بليغا . إلا إذا كان مطابقا لمقتضى حال المخاطب ، ويدعو إليه مواطن الخطاب . فإذا كان المقام للإطناب مثلا ، وعدلت عنه إلى الإيجاز ، أو المساواة لم يكن كلامك بليغا وفي هذا الباب ثلاثة مباحث . المبحث الأول في الإيجاز وأقسامه الإيجاز : هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل « 1 » منها ، وافية بالغرض المقصود ، مع الإبانة والإفصاح ، كقوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . فهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها ، وكقوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] وكقوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنما الأعمال بالنيات » فإذا لم تف العبارة بالغرض سمي إخلالا وحذفا رديئا كقول اليشكري : والعيش خير في ظلا * ل النوك ممن عاش كدا [ مجزوء الكامل ] مراده : أن العيش الناعم الرّغد في حال الحمق والجهل ، خير من العيش الشاق في حال العقل ، لكن كلامه لا يعد صحيحا مقبولا .

--> ( 1 ) . بأن يكون اللفظ أقل من المعهود عادة مع وفائه بالمراد . فإن لم يف كان الإيجاز إخلالا وحذفا رديئا فلا يعد الكلام صحيحا مقبولا ، كقول عروة بن الورد : [ الطويل ] . عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم * ومقتلهم عند الوغى كان اعذارا يريد : إذ يقتلون نفوسهم في السلم ، لكن صوغ كلامه لا يدل عليه . ومثل قول بعضهم نثرا « فإن المعروف إذا زجا كان أفضل منه إذا وفر وأبطأ » ولأجل تمام ما يريد : كان عليه أن يقول ، إذا قل وزجا . ولا يعد مثل هذا الكلام صحيحا مقبولا . واعلم أن متعارف أوساط البلغاء هم الذين لم يرتقوا إلى درجة البلغاء ، ولم ينحطوا إلى درجة البسطاء ، فالمساواة : هي الدستور الذي يقاس عليه كل من الإيجاز والإطناب .